محمد جمال الدين القاسمي
282
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى ، فإنّها خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى . وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ، ويتمّ به معاشهم . ومعنى لَكُمْ لأجلكم ، ولانتفاعكم . وفيه دليل على أنّ الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل . ولا فرق بين الحيوانات وغيرها . مما ينتفع به من غير ضرر . وفي التأكيد بقوله جَمِيعاً أقوى دلالة على هذا . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قال أبو العالية الرياحي : استوى إلى السماء أي : ارتفع . نقله عنه البخاريّ في صحيحه « 1 » ، ورواه محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن الربيع بن أنس . وقال البغويّ : قال ابن عباس وأكثر المفسّرين : ارتفع إلى السماء . وقال الخليل ابن أحمد في ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ : ارتفع . رواه أبو عمرو ابن عبد البر في شرح الموطأ ، نقله الذهبيّ في كتاب العلوّ - . وقد استدل بقوله : ثُمَّ اسْتَوى على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء ، وكذلك الآية التي في ( حم السجدة ) . وقوله تعالى في سورة ( والنازعات ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] إنما يفيد تأخّر دحوّها ، لا خلق جرمها ، فإنّ خلق الأرض وتهيئتها - لما يراد منها - قبل خلق السماء . ودحوّها بعد خلق السماء . والدحوّ هو البسط ، وإنبات العشب منها ، وغير ذلك . مما فسّره قوله تعالى أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [ النازعات : 31 ] الآية - وكانت قبل ذلك خربة وخالية . على أنّ « بعد » تأتى بمعنى « مع » كقوله « عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] أي : مع ذلك ، فلا إشكال . وتقديم الأرض - هنا - لأنها أدل لشدّة الملابسة والمباشرة . فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ أي : صيّرهن ، كما في آية أخرى فَقَضاهُنَّ [ فصلت : 12 ] . ( تنبيه ) قال بعض علماء الفلك : السماوات السبع - المذكورة كثيرا في القرآن - هي هذه السيارات السبع . وإنما خصّت بالذكر - مع أن السيارات أكثر من ذلك - لأنها أكبر السيارات وأعظمها ، على أنّ القرآن الكريم لم يذكرها في موضع واحد - على سبيل الحصر - فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع . وقال بعض علماء اللغة : إن العرب تستعمل لفظ سبع ، وسبعين ، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة . فالعدد إذن غير مراد . ومنه آية سَبْعَ سَنابِلَ [ البقرة : 261 ] وآية وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [ لقمان : 27 ] وآية سَبْعِينَ مَرَّةً [ التوبة : 80 ]
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التوحيد ، 22 - باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم .